محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

657

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

ولا خلاف بين العلماء أنّ الحاضر بالحرم يجب عليه إصابة الكعبة بعينها وإنّما الخلاف في الغائب ، فعلى مذهب أبي حنيفة الفرض فيه إصابة الجهة ، ومذهب الشافعي - رضي اللّه عنه - على أحد القولين يلزمه إصابة ( 266 ب ) العين وإن كان يغلبه الظنّ . وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني اليهود لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ، إذ قد وجدوا في التوراة صفة محمّد - صلّى اللّه عليه وآله - واستقباله بيت المقدّس ، ثمّ استقباله الكعبة ؛ وقوله : مِنْ رَبِّهِمْ أي من عند ربّهم . وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ أي بساه عَمَّا يَعْمَلُونَ من الجحد والإنكار ، فيجازيهم على ذلك . الأسرار قال المتوجّهون إلى القبلة المحافظون على الملّة : من كان راضيا بحكم اللّه كان اللّه راضيا بعمله ، ومن طلب رضا اللّه في كلّ حركة رضي اللّه تعالى عنه في كلّ خطوة ؛ فلم يقل تعالى : فلنولّينّك قبلة نرضاها ، بل قال : ترضاها ؛ فإنّ رضاك بنا وعنّا رضانا عنك وبك ؛ فما رضيته من قول وعمل وعقد ونيّة وشخص ومكان وزمان فهو مرضيّ لنا بل هو رضانا ، فلمّا رضيت عن المؤمنين بعد أحوال الحديبية رضينا عنهم : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ . ولمّا أردت تحويل القبلة ولّيناك قبلة ترضاها : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ومن رضيت عنه فهو المرضيّ عندنا ، ومن أحببته فهو المحبوب لدينا . وإذ كنت تقلّب وجهك في السماء كالداعي لنا أو كالمنتظر وحينا أو كالناظر في صنعنا والمتفكّر في خلقنا أو المنسرح بفكره في ملكوتنا أو كالمنعرج بروحه إلى عالم كلماتنا أو كالمناجي بسرّه إلى مواقع أقلامنا وأحكامنا أو كالسائح بعقله في بحار آياتنا وأسرارنا أو كالسائح بقدمه في الآفاق والأنفس الزاكيات أو كالسائح بجناحه عن يمين المبادئ إلى شمال الغايات والكمالات أو كالمعتبر بمطالع الشمس والقمر والمستبصر باختلاف الليل والنهار وأحوال الزمان والدهر أو كالمتحيّر في أحكام القضاء والقدر : فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ . فهناك مفيض الوحي بالشرائع والأحكام ،